مسيرة و تطوّر الادعاء العام


ظهر مُسمّى الادّعاء العام إلى حيّز الوجودِ للمرّةِ الأولى في المرسوم السُّلطاني رقم: (25/84)، الصادر بتاريخ 14 مارس 1984م، الخاص بتنظيم القضاء الجزائي، الذي أسند فيه المشرّع صلاحيات "الادعاء الجزائي" صراحةً إلى شرطة عُمَان السُّلطانية. قبل هذا المرسوم، كان المُشرّع قد أسند صلاحيات "الاتهام" إلى جهاز الشرطة في أوّل قانون صدر للشرطة عام 1973م، هذا بالإضافة إلى عملها الأساسي في حفظ الأمن والنظام العام. فلقد نصّت الفقرة (1) من المادة (18) من هذا القانون على الآتي: "تقوم الشرطةُ بحفظِ أمن الدّولة العام والنظام في السَّلطنة وحماية الأرواح والأموال وتنفيذ كلّ ما تفرضُه عليها القوانين من واجبات. وعليها اتخاذ التدابير والاحتياطات اللازمة في حدود القانون لمنع ارتكاب الجرائم، وضبط ما يقع منها، وتمثيل الاتهام في الجرائم والمخالفات أمام محاكم القضاء نيابةً عن النيابة العامة، كلما كان ذلك ضروريًا أو مناسبًا ومُستطاعًا". هذا، وبالنظر إلى أن لفظ "الادعاء العام الجزائي" لم يرد في هذا القانون، وإنما ورد فيه لفظ "الاتهام" فقط، فإن هذا يشير إلى أن شرطة عُمَان السّلطانية كان قد أسند إليها آنئذٍ صلاحية إحالة القضايا إلى المحكمة فقط، من دون الحفظ، ومن دون صلاحيات الادعاء العام الأخرى.

المرحلة الأولى

وقبل المَضيّ قُدُمًا نحو استعراض مسيرة تطوّر الادعاء العام، استوقفنا المقدم المُتقاعد حمد بن سالم العلوي، عند مرحلةٍ غاية في الأهمية، ألا وهي المرحلة الواقعة بين عامي (1973-1984م)، كونها مُمهدة لما سيأتي. يقول المقدّم العلوي: بعد صدور قانون الشرطة لعام 1973م، وجدت النواة الأولى للمحكمة الجزائية، وكانت تُسمى مجازًا بـ"محكمة الشرطة الجزائية"؛ وفي هذه المحكمة وجدت النواة الأولى لعمل الادّعاء العام، في أضيقِ نطاقٍ له، كتمثيلٍ للاتهام، وإن كان ذلك بشكلٍ بدائيّ غير واضح، وتوجيه مسار التحقيق في أحايينٍ نادرة. كان مقر المحكمة في مُجمَّّعِ الوزارات في مطرح الكبرى (منطقة بيت الفلج)، وكانت المحكمة تتألّف من قاضٍ فرْد، وكادر إداري من شرطة عُمان السّلطانية، يطلق عليه "قلم المحكمة". وكان رئيس القلم يقوم بدور تمثيل الاتهام - وإن كان ذلك بشكلٍ بدائيّ جدًا - من حيث استلام ملفات القضايا من ضبّاط الشرطة من أنحاء السلطنة، ثمّ التدقيق عليها، والتأكّد من اكتمال التحقيقات، وإذا ظهر فيها نقص في بعض الجوانب، يتم إرجاعها إلى المركز للاستيفاء. لم يكن من صلاحيّات رئيس "قلم المحكمة" التحقيق في القضايا؛ ومع ذلك، كان يناقش جهة التحقيق في تفاصيل الواقعة، وعلى ضوء ذلك يُحدّد ما إذا كان التحقيق المُجرى مُستوفيًا من عدمه؛ وفي بعض الأحيان يتم توجيه الضابط المُحقّق إلى الجوانب التي ينبغي التطرق إليها للوصول إلى الحقيقة. وحول هذه النقطة، تداخل بالتوضيح نائب المُدّعي العام محمّد بن علي الحديدي - كونه سبق وأن شغل منصب رئيس قلم المحكمة - في تلك الفترة، فيقول مؤكّدًا: أن ضابط التحقيق و أحيانًا ضابط المركز كان يحضر جلسات المُحاكمة أيضًا لمُتابعة قضيّته، وللردّ على استفسارات المحكمة أيضًا.

المرحلة الثانية

عودًا إلى المقدّم العلوي، فلقد أفاد بأنه لا ينبغي تجاهل هذه المرحلة المهمّة ونحن نستعرض مسيرة الادّعاء العام، إذ يرى بأنها تُعدّ أُولى مراحل نشأة الادعاء العام؛ ليأتي بعد ذلك المرسوم السلطاني رقم: (25/84) مُعلنًا دخول المرحلة الثانية، المتمثلة في تأسيس "مكتب الادعاء العام الجزائي"، هكذا كان مُسمّاه آنذاك. وكان المقدم حمد العلوي قد تولّى وظيفة رئيس قلم المحكمة لمدة سنتين تقريبًا اعتبارًا من عام 1982م، وكان نائبه المرشح عبدالله بن عامر الكاسبي. هذا، وبالنظر إلى أن المرسوم السلطاني رقم: (25/84)، الخاص بتنظيم القضاء الجزائي، حدّد اختصاص المحاكم الجزائية بالنظر في القضايا الجزائية، كما تطرق إلى "سلطة الادعاء" في استئناف أحكام البراءة؛ ثم أسند إلى شرطة عُمان السلطانية في مادة أخرى "صلاحيات الادعاء الجزائي" أمام المحاكم الجزائية؛ فإن هذا المرسوم جاء إيذانًا لاستحداث تشكيلٍ جديد ضمن الهيكل التنظيمي لشرطة عُمان السلطانية، وحدث ذلك بالفعل في عام 1985م، إذ أصدر المفتش العام قرارًا بتشكيل مكتب للادعاء العام الجزائي، يتبع الإدارة العامة للتحقيقات الجنائية. وقد يكون من المناسب ونحن نتحدّث عن النواة الأولى للادّعاء العام، أن نستعرض السّند القانوني إلى هذه الخطوة المحورية، وهو المادة (10) المرسوم السلطاني (25/84)، التي نصّت على الآتي: "تتولى شرطة عُمان السلطانية صلاحيَّات الادعاء الجزائي أمام المحاكم الجزائية وذلك بالإضافة إلى صلاحيَّاتها الأصلية في إجراءات التحري وجمع الأدلة والتحقيق". ويذكر لنا المقدم المُتقاعد يحيى بن سيف الذُّخري أنه كان أوّل من عُيّنَ لرئاسة مكتب الادّعاء العام الجزائي، وكان عندئذٍ برتبة ملازم أول، وكان من ضمن العاملين معه في المكتب الملازم ناصر بن محمد الحبسي؛ كما وضع اللّبنات الأولى للجانب الفني لعمل الادعاء العام ضابط من الشرطة الأردنية هو الرائد أحمد الزُّعبي، الذي كان يعمل في الإدارة العامة للتحقيقات الجنائية. ويذكر المقدم الذخري أنه استمر في رئاسة المكتب لبضعة أشهر، و عُيّنَ بعده المُقدّم عبدالله بن سليمان الشمّاخي، في سنة 1985م، لرئاسة المكتب. وفي هذا السياق، يؤكّد المقدّم المُتقاعد يحيى بن سيف الذخري أن القيادة العامة للشرطة اتّخَذَت خطوات استباقية لتنفيذ مقتضيات المرسوم السلطاني رقم: (25/84)، قبل إنشاء المحاكم الجزائية في الولايات الأربعة المذكورة في المرسوم السلطاني، وهي (صحار – نزوى – صور – صلالة)؛ بل وقبل تأسيس مكتبٍ للادّعاء العام الجزائي أيضًا، إذ أصدر العميد مساعد المفتش العام لشؤون التحقيقات الجنائية، بتاريخ 24/6/1984م، تعميمًا إلى آمري الوحدات وضباط التحقيقات، يقضي بإحالة قضايا الجنايات جميعها، في مختلف المحافظات والمناطق الجغرافية، إلى المحكمة الجزائية بالعاصمة مسقط، عن طريق الإدارة العامة للتحقيقات الجنائية. أما بالنسبة للقضايا الجُنحية الجاهزة للإحالة، ونظرًا لعدم تشكيل المحاكم الجزائية في الولايات بعد، فلقد اقتضت التعليمات ذاتها رفع كشف عنها لتحديد القضايا التي ينبغي إحالتها إلى المحكمة الجزائية بمسقط، عن طريق التحقيقات؛ وتلك التي يمكن - كإجراء مُؤقّت - إحالتها إلى المحاكم الشرعية، إلى حين الانتهاء من تأسيس المحاكم الجزائية الابتدائية في الولايات المذكورة. هذا، ولقد أردف المقدم المتقاعد يحيى الذخري قائلاً أنه ورد في التعميم سابق الذكر اتجاه عزم القيادة العامة للشرطة إلى تشكيل محاكم الشرطة للنظر في القباحات (المخالفات)، وذلك تنفيذًا لموجبات المادة (9) من المرسوم السلطاني الخاص بتنظيم القضاء الجزائي؛ إلا أن هذه المحاكم لم تتشكل، لتخضع المخالفات للإختصاص الولائي للدائرة الابتدائية بالمحاكم الجزائية. ومنذ تأسيس مكتب الادعاء العام الجزائي، توالت التوجيهات القيادية المنظمة لسير عمل المكتب، ومن ذلك فقد وقفت مجلة "المجتمع والقانون" على مذكرة إدارية، بعنوان (تعليمات بشأن إجراءات التحقيق والادعاء في قضايا الجنح والجنايات)، صادرة من المفتش العام بتاريخ 16 ديسمبر 1985م، موجّهة إلى مساعد المفتش العام لشئون التحقيقات الجنائية، اشتملت الفقرة (ثانيًا) منها على توجيهات خاصة "للادعاء العام الجزائي"، منها: ضرورة مراجعة التحقيقات في قضايا الجنح والجنايات، وأن لا تحال إلى المحكمة، إلا بعد التأكّد من خضوعها لقواعد التجريم، وعدم زوال الوصف الجرمي لها، أو وجود مانع من موانع العقاب، ثم الوقوف على كفاية أدلتها. كما ورد في التوجيهات ذاتها التأكيد على أن لا تقل رتبة من يقوم بإعداد لائحة الاتهام عن رتبة ضابط؛ وأن يتولى مكتب الادّعاء العام الجزائي تقييم أحكام البراءة، لتقرير جدوى استئنافها من عدمه؛ وفي حال قرّر الاستئناف، فعليه أن يُودِع طلبه لدى المحكمة الجزائية في العاصمة مسقط خلال ثلاثين يومًا من تاريخ صدور الحكم. وقد ختم المفتش العام مذكرته بالتوجيه إلى العمل بالتعليمات اعتبارًا من أول يناير 1986م. وفي إطار ذكر التعليمات المنظمة لسير العمل، فلقد وضع مكتب الادعاء العام الجزائي أُنموذجًا للائحة اتهام، تم تعميمها بتاريخ 2/11/1985م إلى آمري الوحدات، للعمل بها في إحالة القضايا إلى المحكمة الجزائية؛ كما صدرت بعد ذلك اختصاصات الادعاء العام الجزائي، واللائحة التنظيمية لعمل المكتب (قدمها لرئاسة تحرير المجلة المقدم المتقاعد يحيى الذخري). وفي عام 1986م، تمّ رفع المستوى الإداري للمكتب إلى مستوى إدارة، تمهيدًا لفتح فروع له (أقسام) في الولايات الأربعة المذكورة في المرسوم. هذا، ولقد اْجترَّتْ مجلة "المجتمع والقانون" ذكريات العقيد المُتقاعد عبدالله بن سليمان الشمّاخي، الذي أوضح لنا أنه تولى الادّعاء العام الجزائي لفترتين: الأولى وقعت بين العامين 1985-1986م؛ بينما امتدت الثانية من 23 يوليو 1990م، واستمرت إلى أن أحيل إلى التقاعد في يناير من عام 1996م، حيث سلّم عندئذٍ الادعاء العام إلى خلفه، المقدّم علي بن ناصر البوعلي. وحول الفترة الأولى، أوضح الشمّاخي للمجلة الصعوبات الجَمَّة التي أحاطت بهذه الفترة، من حيث بساطة الكادر الفني (ممثلي الادعاء العام الجزائي) والكادر المُعاون له، كمًّا وكيفًا. هذه القُدرة المحدودة، كان عليها، في البداية، التعامل مع مجموع القضايا الجزائية الواقعة على مُستوى السّلطنة؛ ذلك لأن المحاكم الابتدائية في الولايات تأخّر تأسيسها عن المحكمة الجزائية في مسقط. استطرد الشمّاخي قائلاً: أن افتتاح المحكمة الجزائية في ولاية صحار بتاريخ 14/12/1985م، ثم افتتاح محاكم جزائية في ولايات كلّ من نزوى وصور وصلالة، في فتراتٍ مُتقاربة، خفّف كثيرًا من حجم العمل على أعضاء الادعاء العام في رئاسة الادعاء العام الجزائي في مسقط. وحول الكادر الذي عمل في مكتب الادعاء العام في الفترة الأولى، يقول العقيد الشمّاخي، أنه كان معه ضابط واحد فقط مُؤهل، من الناحية الفنية، للعمل في المكتب، وهو الملازم أول علي بن ناصر البوعلي، المُتخرّج في كلية الشرطة بالقاهرة، بمؤهلٍ في العلوم الشرطية وآخر في القانون؛ وكان معه أيضا الملازم سعيد بن عبدالله الكلباني، وضابط آخر لا يذكر اسمه، مُؤكّدًا أن الرائد أحمد الزعبي استمر في تقديم خبرته القانونية، إلا أن حضور الجلسات اقتصر على الضبّاط العُمانيين. لم تستمر الفترة الأولى لرئاسته للمكتب طويلاً، إذ عُيّنَ في الربع الأول من سنة 1986م، آمرًا لوحدة شرطة إبراء، فاستلم عنه المكتب الرائد محسن بن علوي آل حفيظ، الذي لم يستمر إلا لأشهُرٍ معدودة، بسبب ابتعاثه للدراسة في الخارج، فاستلم عنه المكتب الملازم أوّل علي بن ناصر البوعلي. وهكذا، أخذت الإدراة تكبر في حجمها تدريجيًا، فرُفع مستواها الإداري إلى إدارة في عام 1986م، ثم توسّع نطاقها الجغرافي بافتتاح أقسام لها في كل من وحدات شرطة: صحار، ونزوى، وصور، وصلالة، وذلك خلال العامين (1986-1987م)؛ لتتّجه القيادة العامة بذلك إلى رفد هذه الإدارة الوليدة بخريجي القانون، وبعددٍ محدود من خريجي الشريعة الإسلامية. وفي سنة 1989م تقريبًا، تم افتتاح أقسام أخرى في كلٍ من: الرستاق، وإبراء، وعبري، والبريمي، ومسندم، وهيما، وسمائل.

المرحلة الثالثة

يمكن القول أن إدارة الادّعاء العام الجزائي دخلت ثالث مراحل تطوّرِها، بصدورِ قرار المُفتش لعام للشرطة والجمارك رقم (37/90)، بتاريخ 23 يوليو 1990م، بشأنِ "فصلِ الادعاء العام الجزائي من الإدارة العامة للتحريات والتحقيقات الجنائية"، لتتبع بذلك مكتب المفتش العام بصورةٍ مُباشرة، وعُيّنَ في القرار ذاته العقيد عبدالله بن سليمان الشمَّاخي مديرًا للإدارة. ثمّ تعزّزت هذه المرحلة بصدور قرار المفتش العام رقم (1/92)، بتاريخ 19 فبراير 1992م، برفع المُستوى الإداري للادعاء العام الجزائي إلى إدارة عامة، لتقف بذلك على قدم المساواة والإدارات العامة الأخرى، ومن ذلك الإدارة العامة للتحريات والتحقيقات الجنائية.

المرحلة الرابعة:

وفي عام 1996م، دخلت الإدارة العامة للادعاء العام الجزائي إلى أعتاب "المرحلة الرابعة" من مراحل تطوّرها، وذلك بصدور النظام الأساسي للدولة بتاريخ 6 نوفمبر 1996م، حيث ورد في الباب السادس منه، المُخصّص للقضاء، وتحديدًا في المادة (64) النص الآتي: "يتولى الادّعاء العام الدّعوى العمومية باسم المُجتمع، ويشرف على شؤون الضبط القضائي، ويسهر على تطبيق القوانين الجزائية وملاحقة المذنبين وتنفيذ الأحكام. ويرتب القانون الادعاء العام وينظّم اختصاصاته ويعين الشروط والضمانات الخاصة بمن يولون وظائفه. ويجوز أن يعهد بقانون لجهات الأمن العام بتولي الدّعوى العمومية في الجنح، على سبيل الاستثناء، ووفقًا للأوضاع التي يبينها القانون". إن اشتمال النظام الأساسي للدولة على هذه المادة، وكذا على المادة (78) التي أوجبت على الجهات المختصة استصدار القوانين غير القائمة، التي يستلزمها النظام، خلال سنتين من تاريخ العمل به، أعطى مُؤشرًا للعامة إلى أن الادعاء العام في طريقِه إلى الانفصال من شرطة عُمَان السّلطانية، وأن الانفصال سيتحقق بصدور القانون الخاص به في فترةٍ غايتها 1998م، وفق المهلة الممنوحة قانونًا.

تأهيل ممثلي الادعاء العام

هذا، وبمناقشة المجلة للأستاذ المحامي علي بن ناصر البوعلي (المُدَّعي العام السّابق)، أشار بأنه عايش مراحل تطور الادعاء العام منذ عام 1985م، مُضيفًا على ما تقدّم بالقول: إن مِمّا يُحسب للقيادة العامة لشرطة عُمان السّلطانية، اتجاهها منذ البدايات الأولى لتأسيس مكتب الادّعاء العام الجزائي، إلى تأهيل ممثلي الادّعاء العام، وذلك بإلحاقهم بالمعاهد القضائية في مصر، وفي وقتٍ لاحق في المملكة الأردنية الهاشمية، حيث كانت البداية معه شخصيًا حينما أُلحق في عام 1986م بالمركز القومي للدراسات القضائية بالقاهرة، لمدة سنة كاملة، اشتملت على ستة أشهر دراسةٍ نظرية، لتعقبها ستة أشهرٍ أُخرى تدريب عملي في النيابات العامة والمحاكم، حيث لم يكن في السّلطنة آنئذٍ صرح علميّ للدراسات القضائية، كما هو الحال الآن. وهكذا، استمرت عملية تأهيل ممثلي الادعاء العام الجزائي، من الضباط القانونيين بالتعاقب، حتى أصبح جميعهم مؤهلين مهنيًا للتعامل مع الدعوى العمومية وفق المنظور المهنيّ القضائي الدّقيق، الذي يأخذ بعينِ الاعتبار دائمًا، عند التقرير بمصير القضية، قرينة البراءة في المتهم؛ وكذا المصلحة الخاصة "مصلحة المتهم"، جنبًا إلى جنب المصلحة العامة؛ ناهيك عن تقييم الضرر الذي سبّبه المتهم للمجتمع، إلى جانبِ المنفعةِ التي سيجنيها المجتمع من مباشرة إجراءات المحاكمة؛ وذلك كلّه للتقرير بين جدوى المُحاكمة، أو غضّ النظر عمّا قارفه المتهم من جرم، الذي قد يكون نتاج زلّة قدم أو هفوة، وذلك كلّه بعد النظر إلى صحيفته الكاشفة لحالته الجنائية. لذلك، انتهجنا حفظ القضايا، ليس للإعتبارات القانونية والموضوعية المعروفة فحسب؛ وإنما أخذنا بـ"مبدأ الملاءمة" في التقرير بالحفظ، وهو ما يعرف في القانون بالحفظ "لعدم الأهمية"، أو مراعاةً لظروف القضية (المتهم عادةً). وأذكر أن أول قضية حفظناها ارتكازًا على هذا السّبب كان في مطلع عام 1990م، أي قبل صدور قانون الإجراءات الجزائية بعشرِ سنوات تقريبًا. وأذكر يومها، أنني قلت لممثل الادعاء العام، الذي أعدّ مُسوّدة القرار، والذي كان مُتحمّسًا للفكرة التي نبعت منه أساسًا: أنني أشك في أن القرار سيوافق عليه العميد مدير عام التحقيقات؛ لاشتمالِه على نهجٍ جديدٍ، لم نألفه في الحفظ، فالمتهم معترف باقتراف الجرم، والأدلة ثابتة بحقه، واحتمالات الإدانة بالتالي كانت مضمونة؛ إلا أن ثقة قادتنا كانت كبيرة، وفي معظم الأحيان كانوا يأخذون بآرائنا الفنية. وهنا استطرد البوعلي قائلاً: أودّ أن أسجّل كلمة شكرٍ لشرطة عُمان السّلطانية على تفهمِها لمضامين المصلحة العامة، والاعتبارات الفنية التي كنّا نوردها في حيثيّات قرارات الحفظ، في ذلك الوقت المبكّر لنشأةِ الادّعاء العام؛ إذ كانت قرارات الحفظ تصدر بتوقيع مدير الادعاء العام الجزائي، وباعتماد مدير عام التحريات والتحقيقات الجنائية؛ وكذلك الحال في وحدات الشرطة الجغرافية، تصدر بتوقيع رئيس قسم الادعاء العام الجزائي، وباعتماد آمر الوحدة.

ويستمر البوعلي (المُدَّعي العام السّابق) قائلاً أنه يعتبر أن النواة الأولى لفصل الادعاء العام عن الشرطة ظهرت في عام 1990م، عندما أصدر المفتش العام للشرطة والجمارك قرارًا بفصل إدارة الادعاء العام الجزائي عن الإدارة العامة للتحريات والتحقيقات الجنائية؛ فتمَّ بذلك الفصل بين سلطتي التحقيق والاتهام، التي كان يضّطلعُ بهما ضابط واحدٌ في الولايات الأربعة (صحار، ونزوى، وصور، وصلالة) –بمسمى (ضابط التحقيقات الجنائية والادعاء العام)؛ فالانفصال عن التحقيقات مع إخضاع إدارة الادعاء العام لمكتب المفتش العام، في الوقت ذاته، عزّز كثيرًا من شوكةِ الادّعاء العام، وأعطى لمُمثليه – في ذلك الوقت المبكّر -درجةً مقبولةً من الحياد، تمكّنهم من تقديرِ سلامةِ الإجراءات التي كانت تؤول إليهم من زملائهم ضباط التحقيقات الجنائية، ومن ثم أضحت لهم اليد العُليا في التصرف في الدعوى العمومية. ويختتم البوعلي أخيرًا تصريحه لمجلة "المجتمع والقانون" فيقول: إن احتضان شرطة عُمَان السُّلطانية للادّعاء العام الجزائي، برفع مستواه الإداري وبتطوير كادره الفني ظهر في شخصِه بجلاء، وذلك عندما قرّر المفتش العام للشرطة والجمارك ترقيته ترقيةً استثنائية من رتبةِ ملازم أول إلى رتبة رائد في عام 1986م، وذلك فور رفع المُستوى الإداري لذلك التشكيل الجديد من (مكتب) إلى (إدارة). وهكذا استمر حال الادّعاء العام في التطوُّر، حسب البيان المُتقدّم، حيث رُفع مستواه إلى إدارة عامة في عام 1992م، واستمرت عملية تأهيل الكادر الفني (ضبّاط الادعاء العام الجزائي)، و اتّسعت رُقعتها بعد صدور النظام الأساسي للدولة في عام 1996م، الذي كشف للجميع – في المادة (64) منه - اتجاه إرادة المشرع بجعل الادعاء العام سُلطة قضائية مُستقلة؛ فتمّ في عام 1999م، على ضوء هذا الاتجاه الجديد، إجازة أول أطروحة لنيل درجة الماجستير في علم الإجرام والعدالة الجنائية من جامعة (لافبرا) بالمملكة المتحدة بعنوان (فصل الادعاء العام من شرطة عُمَان السُّلطانية، في ضوء الاستفادة من التجربة البريطانية)، قدَّمها أحد ضبّاط الادعاء العام، فنالت اهتمامًا خاصًا ومتابعة مُستمرة من طرف معالي الفريق المُفتّش العام للشرطة والجمارك، الشيخ هلال بن خالد المعولي، بقصد الاستفادة من تجربةٍ مُماثلة لتلك التي كنّا مُقبلين عليها. فالمعروف أن الهيئة الملكية للادعاء العام في النظام الإنجليزي مرّت بتجربةٍ مماثلة، قبل ذلك بثلاثِ عشرة سنة، من حيث فصل سلطة الاتهام عن قوى الشرطة الإنجليزية.

هيئة قضائية مستقلة

هكذا، فلقد تُوّجت كل تلك الجهود بصدور المرسوم السلطاني رقم: (92/99)، بتاريخ 21 نوفمبر 1999م، بإنشاء الادّعاء العام وإصدار قانونه، حيث ورد في المادة (1) من المرسوم النص التالي: "تنشأ بموجب هذا المرسوم هيئة مستقلة تسمى الادعاء العام، تتبع المفتش العام للشرطة والجمارك، إلى حين تأهيل الكوادر اللازمة لممارسة صلاحيّات الادعاء العام المُقرّرة قانونًا". كما نصت المادة (1) من قانون الادعاء العام، المرافق للمرسوم، على الآتي: "يتولى الادعاء العام الدعوى العمومية باسم المُجتمع، ويشرف على شؤون الضّبط القضائي، ويسهر على تطبيق القوانين الجزائية وملاحقة المذنبين وتنفيذ الأحكام، وغير ذلك من الاختصاصات التي يقرّرها القانون". كما ورد في المرسوم السلطاني ما مؤدّاه أن العمل بقانون الادعاء العام سيبدأ بدخول قانون السّلطة القضائية، الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (90/92) إلى حيّزِ النفاذ، المُحدّد بستةِ أشهرٍ من تاريخ النشر، أيّ في شهر مايو من عام 2000م.

التدرج في الاستقلال التام

وتنفيذًا لحكم المادة (1) من المرسوم السلطاني بإصدار القانون، شهدت السّلطنة تدرّجًا في استقلال الادعاء العام، حيث تُبِّعَ بدايةً لشخص المفتش العام للشرطة والجمارك، من الناحية الإدارية دون الفنية، كمرحلة انتقالية، إلى حين توافر الكادر اللازم والمؤهل للقيام بالصلاحيّات المنوطة بالادّعاء العام. كان من أهم ثمار هذه التبعية الإدارية انتقال جميع العاملين في الإدارة العامة للادعاء العام الجزائي، التابعة لشرطة عُمان السلطانية إلى الادّعاء العام المُستقل، بعد أن أُسدل الستار عن الأولى بإلغائها من الهيكلِ التنظيمي لشرطة عُمَان السُّلطانية، تنفيذًا للمادة (3) من المرسوم السلطاني بإصدار القانون. هذا الانتقال في الكادر البشري، ولاسيّما الفني منه، ضمن تقليص الحساسيّات التي كانت متوقّعة من طرف ضباط الشرطة إلى حدّها الأدنى. يُذكر، أن النظام الإنجليزي مرّ بتجربةٍ قاسية جدًا في السنوات الأولى لانفصال سلطة الاتهام عن الشرطة، والسبب يعود إلى قيام الهيئة الملكية للادّعاء العام بكادرٍ جديدٍ لا علاقة له بالشرطة. ومن تطبيقات هذا الانتقال السَّلس والهادئ، فلقد صدر بتاريخ 29 يوليو 2001م، المرسوم السُّلطاني رقم (90/2001) بتعيينِ أوّل مُدَّعي عام، هو الفاضل علي بن ناصر البوعلي، وعُيِّنَ بموجب المرسوم ذاته الفاضل محمّد بن علي الحديدي نائبًا للمُدّعي العام. بهذا المرسوم تم تعيين القيادة ذاتها التي تولت الادّعاء العام قبل الفصل، فالأول شغل منصب المدير العام برتبة عقيد، والثاني شغل منصب مُساعد المدير العام برتبة رائد. وبعد أن تجاوز الادعاء العام المرحلة الانتقالية الحرجة بنجاح، وتأكّد من إرساء الاستقرار فعلاً والتفاهم بين الادعاء العام والجهة التي انفصلت عنها؛ صدر بتاريخ 21 مارس 2004م، المرسوم السلطاني رقم (35/2004) بتعيين فضيلة القاضي / حسين بن علي الهلالي مُدّعيًا عامًا. وبالنظر إلى أن فضيلته شغل قبل ذلك منصب نائب رئيس المحكمة العُليا، فإن هذا التعيين جاء تطبيقًا و إرساءً لحكم جوازية التنقّل بين الادّعاء العام والقضاء، المنصوص عليه في المادة (38) من قانون السّلطة القضائية. استمرارًا لسلسلةِ خطوات التطوّر والنماء التي شهدها الادّعاء العام، فلقد صدر بتاريخ 28/2/2011م، المرسوم السّلطاني رقم (25/2011)، باستقلال الادعاء العام إداريًا وماليًا، حيث ورد في المادة الأولى منه النص الآتي: "يكون للادعاء العام الاستقلال الإداري والمالي"، كما ورد في المادة الثانية النص الآتي: "يتولى المُدّعي العام صلاحيَّات المُفتّش العام للشرطةِ والجمارك المنصوص عليها في قانون الادّعاء العام المشار إليه"، ومن أمثلة تلك الصلاحيات التي انتقلت من المفتش العام إلى المُدّعي العام، صلاحية إصدار لائحة بنظام التفتيش على أعمال أعضاء الادعاء العام، بعد موافقة مجلس الشؤون الإدارية المنصوص عليه في قانون السلطة القضائية، وكذا حق التنبيه على أعضاء الادّعاء العام، وما إلى ذلك من الصلاحيّات الإدارية و الإشرافية. وبهذا، أصبحت سلطة الاتهام في سلطنة عُمان، مُمثلةً في الادّعاء العام، سُلطة قضائية مستقلة إداريًا وماليًا، مُتميّزةً بذلك عن نظيراتها في كثيرٍ من التشريعاتِ المُقارنة التي لا تزال تخضع سُلطة الاتهام، باختلاف مُسمّياتها، لوزارة العدل أو وزارة الداخلية، وهو ما يعني إخضاع شُعبةً أصيلةً من شُعَب السُّلطة القضائية للسُّلطةِ التنفيذية، مُصطدمةً بذلك وأبجديات العمل القضائي، القائم على أداءِ العمل من دونِ تحيُّزٍ، وبمعزلٍ عن شُبهةِ الضغوطِ السياسيةِ أو الاجتماعيةِ أو الدينية؛ ولا يقدحُ من ذلك القول بأن التبعية إنما هي إدارية فحسب. أخيرًا، وليس آخرًا، نشير للدلالة على تطور الادعاء العام، إلى أن حجمَه عند نفاذ قانونه في شهر مايو من عام 2000م، لم يكن يتجاوز (12) إدارة، يديرها كادرٌ فنيّ مكوّن من (30) مُمثلٍ للادّعاء العام، حسب التسمية القديمة؛ ليرتقي حجم هذا المرفق القضائي، في عام 2015م، إلى ما قوامه (13) مديرية عامة في المحافظات، تتبعها (43) إدارة ادّعاء عام في الولايات. كما شهد عام 2011م، بداية دخول الادّعاء العام إلى فلك الإدارات التخصُّصية، لتبلغ في عام 2015م، (12) إدارة تخصصية، وهي: إدارة قضايا المخدرات، إدارة قضايا الأحداث، إدارة قضايا حماية المستهلك، إدارة قضايا بلدية مسقط، إدارة القضايا العمالية، إدارة القضايا المرورية، إدارة قضايا تقنية المعلومات، إدارة قضايا الأموال العامة، إدارة قضايا الجمركية والضريبية، إدارة قضايا بلدية ظفار، إدارة قضايا مخدرات بمحافظ شمال الباطنة، إدارة الادعاء العام لدى المحكمة العليا. مجموع هذه الادارات، ذات الاختصاص العام منها والخاص، يُديرُها كادرٌ قضائيٌّ قوامه (205) عضوًا، منهم (34) من العنصر النسائي؛ وكادرٌ إداريّ يُقدّر بـ(1093) موظفًا. يُذكر أخيرًا، فإن جميع العاملين في الادعاء العام، من الكادرين القضائي والإداري، هم من العُمَانيين.